الموقع الشخصي للدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
الطب مهنتي والشعر أغنيتي وعلوم القرآن والسنة ثقافتي والتصوف ذوقي وسجيتي والفكر سلاحي وعلامتي والتربية بنقل الناس من علائق الكون إلى الاستغراق في حضرة الله وظيفتي وتحبيب الخلق بخالقهم فني وهوايتي
 

موقع الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
 
Masjed Lessons دروس مسجدية
 
فضل سيدنا عمر بن الخطاب الجزء الثاني
شرح جوهرة التوحيد
درس الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني في جامع أبي حنيفة بحلب
15/1/2010
 
مشاهدة /video/
ملف نصي   كتاب إلكتروني   استماع ² عرض تقديمي
سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه, الذي كان ثاني الخلفاء الراشدين, لم يكن مجرد رجل دولة, نظّم الأمصار, وأسس الدواوين, ووضع الأسس والقواعد العادلة, التي يكون فيها القوي ضعيفًا حتى يُؤخذ منه الحق, ويكون فيها الضعيف قويًا حتى يُؤخذ له الحق, ولم يكن مجرد عَلَم في الأخلاق, يتواضع حين يتكبّر المُتكبَّرون, فيخدم العجائز ويعين الفقراء, لكنه كان بعد كل هذا صاحب تعظيم باطن لله تبارك وتعالى.
هذا التعظيم لله سبحانه وتعالى حينما يوجد في قلب الإنسان, فإنه مهما علا يبقى مُستشعِرًا هيمنة سلطان الله تعالى عليه, سيبقى الظلم منتشرًا ما لم يستشعر القوي الظالم أن فوق قدرته قدرة الله, ومهما كان صاحب قوة فما هو إلا عبد من عبيد الله.
هل وجد في تاريخ البشرية من يملك مُلك سليمان, كانت الأسباب المادية كلها بين يديه, وسخّر الله سبحانه وتعالى له ما لا يُسخّر عادة للملوك, سخر له الريح, والطير, والجِن و..., لا يوجد على وجه الأرض ملك كانت بيديه هذه القوة, لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يختصر لنا باطن سليمان عليه الصلاة والسلام الذي ينبغي أن يُحتذى به عندما قال: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30]
اليوم.. مهما عَلَا عِلمك, إذا كنت عالِم ذرة, إذا كنت مهندس كبير, إذا كانت طبيب من أعلى أنواع التخصصات النادرة.. مهما كُنت.. هل يمكن لك أن تتجاوز هذا الوصف.. بل إنه لشرف كبير لك أن تكون عبد الله وحده, لأنك إن لم تكن عبد الله فستكون عبد غيره.
هذا هو سِر عمر, سِر عظمة عمر أنه كان عبد الله وحده.
لذلك نستعرض في هذا المجلس المبارك, في الحلقة الثانية من حديث لا تختصره الحلقات, لكن اعتمدنا فيه الإيجاز والاختصار, الحلقة الثانية التي تتحدث عن هذا الجانب من خلال النصوص, كيف كان باطن عمر رضي الله عنه.
أخرج البخاري رحمة الله عليه, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
المُحدَّث هو: الذي يُلقي مولانا سبحانه وتعالى الحق في قلبه إلقاءً, يُلهمه الحق سبحانه وتعالى الصواب إلهامًا, ما أوحي إليه بمَلَك, ولا نزلت إليه صحف وألواح, إنما أُلقي الحق في قلبه إلقاءً.
وهذا هو السر المفاجئ عندما نرى أن ألفاظ القرآن الكريم كثير منها نزل على لسان عمر قبل أن ينزل به جبريل, كثير من الأحكام والألفاظ القرآنية وافقت لفظ عمر قبل أن ينزل القرآن, فمن أين لعمر أن يدري هذه الألفاظ, هذا ليس شغل عمر.. إنما هو الإلقاء, هو المُحدَّث الذي ألقى الحق سبحانه وتعالى في رُوعه, في قلبه, في سِره الصفائي النقي.
فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (وافقت ربّي في ثلاث, فقلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى) سيدنا عمر يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم, يقول له: لماذا لا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى, فنصلي عند مقام إبراهيم, الحق سبحانه وتعالى أمرنا أن نتبع إبراهيم, والله سبحانه وتعالى جعل هذه الملة ملة إبراهيم, والله سبحانه و تعالى أمرنا أن نصلي على سيدنا محمد كما صلى على سيدنا إبراهيم, وهي أفضل أنواع الصلوات, وهذا مقام إبراهيم لما بنى بيتك يا رب, هكذا يُحدث عمر نفسه, ثم ينقل هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنزل قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] نفس الكلمات التي طلبها عمر تنزل قرآنًا.
وآية الحجاب, قلت: (يا رسول الله: لو أمرت نساءك أن يحتجبن, فإنهن يُكلّمهن البر والفاجر) ربما تعرضت المرأة لمبادرات كلامية من الرجال, قد يكون صاحب هذه المبادرات فاجرًا وقد يكون بارًا, فالحجاب يضع حدودًا, والآن يدرسون في الدراسات الاجتماعية الإحصائية, ما سر التحرشات الجنسية؟ ما سبب الاغتصاب المتكرر؟ ولو أنكم حاولتم أن تطَّلعوا على الإحصاءات العالمية في الدول التي ليس فيها إسلام, لوجدتم أن الدقائق المعدودة, أو الدقيقة الواحدة يحصل فيها كذا وكذا حادثة اغتصاب, ليس اللقاء بالاتفاق على الفحشاء, على الزنا, لا.. هذا في الثواني تجد آلاف منه, لكن الاغتصاب القهري في أرقى الدول ماديًا.
وسمعنا منذ أكثر من عام, كيف طلبت النسوة اليابانيات أن يُخصص لهنّ في المترو عربات خاصة من كثرة تحرّش الشباب بالفتيات.
إذًا عندما يطلب عمر رضي الله عنه هذا القانون الإلهي, لأنه يوافق الفطرة البشرية, فالرجل مُتسلِط, ونزعته الشهوانية قوية جدًا, والمرأة ضعيفة, وقد تتعرض المرأة لهذا الضغط الذي تصبح فيه أسيرة لرعونات الرجل, فجاء هذا الحكم الشرعي,يقول سيدنا عمر: (وآية الحجاب, قلت يا رسول الله: لو أمرت نساءك أن يحتجبن, فإنه يكلّمهن البَر والفاجر) فنزلت آية الحجاب: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]
ونزلت الآية لمخاطبة النسوة, نساء النبي عليه الصلاة والسلام للأصحاب من وراء حجاب, حتى يكون هناك انضباط.
بل هناك دراسات إحصائية ونفسية واجتماعية في أمريكا عن مستوى المدارس المختلطة والمدارس المنفصلة, التي يكون فيها الشباب يدرسون والفكر متوجّه إلى العِلم فقط بدون أي توجّه آخر, والمدارس المختلطة التي تحصل فيها الثورة الغريزية في اللاشعور, والتي تضع البارود إلى جانب النار وتقول له: لا تنفجر, فجاءت الإحصاءات والدراسات تقول: إن المدارس المنفصلة هي التي تحقق النتائج الأفضل. هؤلاء ما فعلوا هذا بسبب دين, إنما دراسة مستقلة حيادية, درست ما يحصل في واقع التعليم وخرجت بالنتائج, يقول سبحانه وتعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]
يقول عمر رضي الله تعالى عنه:واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم على الغَيرة عليه
-وابنته حفصة هي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقلت لهن: (عسى ربّه إن تطلقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ) فنزلت هذه الآية بلفظها, كما قال عمر: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم/5]. هل هذا من ذكاء عمر؟ لا إنما هو القلب النقي الذي تفرّغ من الأغيار, وخرجت منه الأشياء, فصار مرآة للغيب.
علّق صاحب الحلية, حلية الأولياء أبو نعيم الأصفهاني رحمه الله, على هذه الظاهرة, ظاهرة نزول القرآن مطابقًا وموافقًا للفظ عمر فقال: "أخلى همّه في مفارقة الخَلْق, فأنزل الله تعالى الوحي في موافقته للحق".
يعني لما أخلى عمر قلبه من الخلق,نزل الحق مطابقًا لما في لفظه, فوافق الحق بعد أن فارق الخَلْق.
ثم إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن ابن عمر: (إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ)
هذه شهادة كبيرة, المصطفى عليه الصلاة والسلام يشهد فيها للسان عمر وقلبه.
وقد قالوا:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا
ج
وشَهِد النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يهرب من عمر, لأن أنوار الحق, أنوار الإيمان, أنوار التعلُّق بالله قد تعمّر قلب عمر بها, فأحرقت الشيطان.
أخرج البخاري رحمة الله عليه, عن سعد بن أبي وقاص, أحد العشرة المبشرين بالجنة, قال: قال صلى الله عليه وسلم لعمر: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ..) يُقسم رسول الله, يُقسم بالله,يقول: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) أي: إذا شاهدك الشيطان تمشي في الطريق, يهرب ويسلك غير هذا الطريق.
ومع كل هذا, مع كل هذا الامتلاء بالأنوار, هل كان ينظر إلى صلاحه, هل كان ينظر إلى أنه صاحب فضل, أو صاحب مقام..؟
لا بل كان شديد الخوف من الله تبارك وتعالى, كان شديد الخشية لمقام ربه, وكان يقول كما في صحيح البخاري أيضًا: (وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)
أي: لو ملكت كل ما في الأرض من الذهب, بل لو ملئت الأرض لي ذهبًا, لأعطيت كل هذا الذهب لعلي بهذا أفتدي به نفسي من عذاب الله, فعمر هذا يخاف من عذاب الله, عمر المتقي, عمر المستقيم, عمر الباذل, عمر المُتخلِّق بالأخلاق يخاف من عذاب الله, نحن في هذه الأيام نرى الشخص يصلي ركعتين, فيقول: أنا لا أخاف, أنا مطمئن, أما عمر رضي الله عنه الذي ما يوجد في حياته إلا الخيرات, إلا العطايا, إلا البِر, إلا التواضع, إلا العبادة, إلا البكاء, إلا الانضباط بأمر الله..حتى أن بعض الغربيين أسموا عمر إله العدل, هكذا بمنطق وثني, أسموه إله العدل, وما هو إلا عبد العدل تبارك وتعالى, فالله سبحانه من أسماءه العدل.
وكان يقول: لو ماتت شاة على شاطئ الفرات ضائعة, لظننت أن الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة.
عمر في المدينة المنورة, ويخاف من غرق شاة في الفرات, وأن يسأله الله: لماذا لم تُمهِّد لها الطريق؟
إنها النظرة الصحيحة لمسؤولية المسلم, إذا كان المسلم الخائف بين يدي ربه يخاف من هلاك شاة, فكيف لا يخاف من حوادث السير للبشر!!
الطرقات الكبيرة- الأوتسترادات- في بلاد الغرب ليس فيها فتحات جانبية, لأنها شديدة الخطورة, والسيارات تسير فيها بسرعات عالية, فمنعت هذه الفتحات حفاظًا على الأمان أما في بلادنا فعلى العكس, نرى الطرق الكبيرة مليئة بالفتحات وتحدث الحوادث المفجعة بسببها.
هذا ما يفعله غير المسلمين, فلماذا لا يفعله المسلمون وهم يرون إمامًا في تاريخهم يخاف من هلاك شاة؟
يجب أن يستشعر كل فرد هذه المسؤولية أمام الله, المسؤولية ليست مسئولية فرد, ولا مسؤولية منصب, ولا مسؤولية مسؤول, المسؤولية مسؤولية الجميع, عندما يضع الجميع أيديهم بعضهم ببعض, عندما يضعون الأيدي من أجل أن يقوموا جميعًا بواجب الحفاظ على الأمن, بواجب المسؤولية, عند ذلك تنتهي المشاكل, لا يبقى الأمر منوطًا بشخص, إنما يستشعر الجميع الواجب, واجب الأمانة, وتتضافر الجهود من أجل تمثيل هذه الأمانة في الأعناق, وتحويلها إلى واقع مُطبّق على الأرض.
ولابد أن نروي صلة عمر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أتحدث هنا عن الصلة الظاهرة, العلاقات والمجالس, إنما أتحدث عن الصلة الباطنة, فبين سيدنا عمر وسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام شؤون عجيبة.
روى البخاري, عن عبد الله بن هشام قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه, فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي) عمر رضي الله عنه يشكو.. أنا عندي عِلّة يا رسول الله, أنت في قلبي أحبّ إليّ من كل الناس إلا من نفسي, أحبّ نفسي, لكن أنت عندي أحبّ من كل الخَلق..
أبو دجانة فدى رسول الله بنفسه, عمل مظلة على النبي عليه الصلاة والسلام, لما تضافرت كل جهود المشركين في أحد من أجل أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ماذا فعل أبو دجانة؟ انكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار درع بشري, فوجدوا في ظهره أكثر من ثمانين سهم, صار ظهره مثل ظهر القنفذ من كثرة السهام, ولكن حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنساه ألم السهام.
أما قتادة فإنه وضع وجهه أمام وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى إذا ما جاء سهم أو رمح أو ضربة, وقى وجه رسول الله بوجهه, وجاء السهم حتى فقأ عين قتادة.
هؤلاء الرجال الذين ضربوا أروع الأمثلة في فداء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعمر يشتكي, يقول: (يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي)
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ) هذه لحظة تأمّل, عمر رضي الله عنه يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: لا.. لا.. لا.. هذا كله غير معتبر عند الله, هذه حال غير معتبرة عند الله تبارك وتعالى, لابد يا عمر أن تنتقل إلى حالة أكون فيها أحب إليك من نفسك, حتى تستطيع أن تضحي بكل شيء أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر, أين الجواب يا عمر؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي). المعادلة انتهت, وعمر رضي الله تبارك وتعالى عنه حل المسألة, وأقسم بالله أنه أصبح يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وهذه "يحب" ليست يعني أحبه وأعشقه وانتهى الأمر, لا..لا.. يحب كلمة لها مقتضيات, يُبنى عليها سلوك عملي, عندما يقول النبي عليه الصلاة والسلام لك: افعل. ونفسك تقول لك: افعل غيره, فتؤثر ما تقوله نفسك فهذا دليل على أنك غير صادق في حبك للنبي عليه الصلاة والسلام.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
قال: (فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي). فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْآنَ يَا عُمَرُ). الآن أصبحت من المقبولين, لأن رسول الله عندك مقدّم على كل شيء.
وأختم بموقف نقله الإمام البخاري في صحيحه, عندما يأتي عدي بن حاتم الطائي مع وفد عربي من أشراف العرب إلى عمر رضي الله عنه, وهذا موقف فيه الجانب التربوي العمري, يأتي وفد كبير وفي هذا الوفد, بل وعلى رأس هذا الوفد عدي بن حاتم الطائي, الذي كانت العرب تضرب الأمثال بكرمه, يعني أشهر شخصية عربية في الكرم, يقول عدي بن حاتم كما في صحيح البخاري يقول: (أَتَيْنَا عُمَرَ فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا وَيُسَمِّيهِمْ) سيدنا عمر بدأ يدعو أصحاب الوفد, رجلًا رجلًا ويسميهم, أنت ألست فلان الذي من قبيلة فلان.. الذي شأنك كذا.. فجعل يذكر أسماء الوفد وما هم فيه, ويُهمل سيد الوفد عدي بن حاتم.. أمر ملفت للنظر, عمر رضي الله عنه يذكر الجميع ويسميهم واحدًا واحدًا, عدي قال لعل عمر ما عرفني, ربما نسيني عمر, يعني هل من المعقول أن يعرف عمر كل من في الوفد ولا يعرفني وأنا شخصية عربية مشهورة, ووالدي أشهر شخصية عربية -وعدي بن حاتم كان برتبة كبار كبار أشراف العرب وأثريائهم إلى درجة أنه كان صديق القيصر, صديق كسرى, عندما يدخل على الملوك هو صديق لهم- استغرب عدي .. هو يدخل على خليفة المسلمين, معقول خليفة المسلمين لا يعرفه.. فَقُلْتُ أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
يعني كل هؤلاء عرفتهم, وما عرفتني؟ أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ ماذا أجاب عمر؟ قَالَ عمر: (بَلَى) أنا أعرفك, كيف لا أعرفك. قال: (بَلَى, أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا) وكل هذه الأوصاف ليس فيها أنت عدي بن حاتم الطائي..!
ماذا يريد عمر؟ يريد عمر أن ينبهنا إلى أن فضل الإنسان بأوصافه, فليس فضل الإنسان بنسبه, وليس فضل الإنسان بشهرته, وليس الإنسان فضل بثناء الناس عليه, قل لي من أنت من حيث الوصف, هات الهوية التي من خلالها أميّز وصفك. قال: (بَلَى, أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا) هذا فضل لك.
(وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا) هذا فضل عظيم لك.
(وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا) (وَعَرَفْتَ..) عرفت الله, عرفت الإسلام, (..إِذْ أَنْكَرُوا)
لما سمع عدي هذا, فَهِم ما يريد عمر, فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا.
إذا كانت هذه الشهادات تصدر منك يا أمير المؤمنين, فلا يهمني أن أكون عدي بن حاتم الطائي, لأن وصف الخُلُق وهوية الإسلام مُقدّمان على كل الفضائل.
وهكذا نرى الجانب الباطن المُشرق في سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه من حيث توجّه قلبه إلى الله, ومن حيث محبته وعشقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن حيث مماراساته التربوية التي من خلالها يُوجّه القلوب إلى الإسلام, يوجّه القلوب إلى الإيمان, فكان يمارس دور المربي والموجه, وهذا كان ديدن عمر رضي الله تعالى عنه.
عندما رأى رجلًا قد حنا رأسه وأذلّ نفسه, علاه بالدُرّة, وقال: يا هذا أمتّ علينا ديننا.. الذي يشاهدك يقول: أهكذا يكون المسلم؟
الإسلام لا يُذل إلا لله.. الذل في الإسلام أن تكون عبد لله, لكن لغير الله أنت عزيز, الإسلام سبب العِزّ, نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام, ومهما نبتغي العزّة بغيره أذلّنا الله.
أعلى الصفحة