الموقع الشخصي للدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
الطب مهنتي والشعر أغنيتي وعلوم القرآن والسنة ثقافتي والتصوف ذوقي وسجيتي والفكر سلاحي وعلامتي والتربية بنقل الناس من علائق الكون إلى الاستغراق في حضرة الله وظيفتي وتحبيب الخلق بخالقهم فني وهوايتي
 

موقع الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
 
Masjed Lessons دروس مسجدية
 
المعجزات والكرامات
شرح جوهرة التوحيد
درس الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني في جامع أبي حنيفة بحلب
30/10/2009
 
ملف نصي   استماع ²
المعجزات والكرامات
درس الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني في جامع أبي حنيفة بتاريخ 30/10/2009
خوارق العادات قضية من القضايا التي ينبغي على أهل الإيمان أن يفهموا دلالاتها، لأن خوارق العادات قد تظهر على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، قبل البعثة يكون خارق العادة إرهاصاً، يعني يهيئ الله هذا النبي أو الرسول من أجل أن يُبعث، من أمثلة ذلك سلام الحجر على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة, فكان يقول له: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهناك المعجزة وهي خارق عادة وتكون من أجل إثبات الدعوة، ومن أجل جذب قلوب أهل الاستعداد حتى يدخلوا في دين الله تبارك وتعالى.
ثم هنالك من خوارق العادات وهي حدوث بعض الأمور التي لم يعهدها الناس، يكرم الله بها بعض أحبابه وأوليائه من غير الرسل والأنبياء وهي الكرامات.
وهناك خوارق عادات تظهر على يد دجالين وكذابين، من الذين غضب الله عليهم وسخط، ومنهم المسيح الدجال كما نعلم، إذ تظهر على يديه خوارق عادات إلى درجة أنه يقول للسماء أمطري فتمطر، ويقول للأرض أنبتي فتنبت.
إذاً سنبين أنواع خوارق العادات لكن هذه المقدمة من أجل أن نتعلم ميزانًا نستطيع من خلاله أن نفرّق بين أنواع خوارق العادات هذه، ولا يلتبس علينا الأمر بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعجزات لأن الله سبحانه وتعالى صرح فقال: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40] فإذا جاء شخص ما كما عليه البهائية والقاديانية, وادعى أنه نبي نقول: كذاب، لأنه خالف نصاً واضحًا قطعياً في كتاب الله، لا يلتبس الأمر علينا بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المعجزات, لأن آخر المعجزات كانت معجزات سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومن أعظمها القرآن العظيم، ومنها انشقاق القمر، ومنها ومنها...
لكن الالتباس يكون بين الكذابين والصالحين، لأن هناك خارق عادة يسمى الاستدراج, ويدّعي صاحبه أنه ولي الله، وقد تظهر كرامة أو خارق عادة وهو إكرام من الله سبحانه وتعالى لعبد صالح، فالالتباس في المعجزة لا يحصل بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ممكن أن يحصل قبل بعثته صلى الله عليه وسلم لكن بالضوابط للمعجزة لا يحصل لأن هناك ضوابط سوف نعرفها إن شاء الله في هذا البحث، كما لابد لنا أن نفرق بميزان بين الاستدراج والكرامة، ذلك أن خارق العادة يكون على يد صالح أو فاسق.
أول شيء وقبل أن نتحدث عن الميزان أحب أن أقول إن خارق العادة في غير المعجزات لا يعتبر دليلاً على صلاح أحد، الميزان يحكم على الرجال, فإذا وافق فعله كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, فهو رجل صالح، هذا الميزان يعطيه شهادة رجل صالح، وإذا خالف بأفعاله وأقواله ما هو في الكتاب والسنة فهو فاسق كذاب منحرف....
الآن هناك أزمة عند العوام، يقولون: الشيخ الفلاني، الرجل الفلاني رأيناه أمسك حديدة وأدخلها في بطنه وأخرجها من ظهره، أكل النار،... ما شاء الله...وإذا نظرت إلى سلوكه وجدته مخالفاً لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منحرفاً، يكذب على الله ورسوله، والعوام يتبعون هذا الإنسان على أنه رجل صالح.
وقد قلت في أكثر من موطن إنني أعجب ممن يسمي طعن البطن بالحديد كرامة، فالكرامة ينبغي أن يكون فيها شكل من أشكال التكريم، يعني لو أن هذا الرجل جاء إلى مريض قد عجَز الأطباء عن شفائه وتوجه إلى الله بالدعاء فشفي نقول هذا فيه معنى التكريم { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}[الإسراء:70] لكن أن يشوه الخلق الذي خلقه الله في أحسن تقويم { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين:4] ثم نسمي هذا الفعل كرامة، ثم هل تكون صورة الكرامة مطابقة لصورة أهل جهنم {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ} [البقرة:174] وهذا نص في القرآن, فيأكل ناراً كما يأكل أهل جهنم ناراً ثم يقول كرامة؟ فأي وجه بين هذا الفعل الجهنمي والكرامة؟
الكرامة أن نجد لها وجهاً يتصل بالتكريم الإنساني، هذا من حيثية غير حيثية الموازين التي نتحدث عنها، والتي هي أن يحكم الحق على الرجال وأن لا يكون الرجال ميزاناً للحق.
من يقول الشيخ الفلاني فعل كذا وكذا من خوارق العادة نقول له: لكن فعل الشيخ الفلاني الذي أبهرك مخالف لأمر أمر به رسول الله, ونهي نهى عنه.
لماذا سمي الإمام الشافعي رحمه الله ناصر السنة؟ لأنهم عندما استدل الإمام الشافعي رحمة الله عليه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: لكن هذا يا إمام يخالف قول مالك، فقال لهم: أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال مالك، مع أن مالك هو أستاذ الشافعي، لكن مالك لا يتصف بالعصمة، وهو القائل: كلنا يَرد ويُرَد عليه إلا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وكان يشير إلى حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رأيت مثل هذه المواقف عند أستاذي الذي أخذت عنه التوحيد والتربية والأخلاق فقد أتيته مرة بكتاب من كتب رجال سندنا في التربية, وقلت له: إن هذا الرجل الذي هو من شيوخنا يقول: كذا وكذا, وهذا ما رأيناه في سلوكك، فقد وضع قواعد شديدة بين المعلم والمتعلم، لكننا نرى عكس هذه القواعد، فكان أستاذنا مثل الأخ الصغير، حتى أننا لا نشعر أنه الأخ الكبير لنا، يُشعرنا أنه الأخ الصغير لنا، فقلت هذا الذي نراه منك يخالف ما نقرأه فأجابني الشيخ بكلمات والله لا أنساها وأكررها لأنها أعطتني منهجاً، أعطتني سلوكاً قال لي: "تلك أمة قد خلت لها ما كتبت" يعني نحن ليس عندنا ميزان لا نحيد عنه ولا نستطيع أن نقول: هذا فيه تفكير، فيه اجتهاد، فيه رأي، إلا كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما عدا ذلك اجتهادات في الوقت والمكان والظرف والبيئة.
إذاً الحق يحكم على الرجال، ولا يُؤخذ ميزان الحق من الرجال إلا أن يكون المأخوذ عنه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أبو بكر الصديق الخليفة الأول رضي الله عنه يقول: "إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان"
لذلك لا يمكن لأحد انبهر بأستاذه أن يقول مبرراً سلوكاً يخالف الشريعة قد فعله أستاذي.
نقول: أنت وأستاذك منحرف، وانتهت القضية، وعلّتك أن قلبك قد حجب بالانبهار، وما عاد يميز الليل من النهار.
هناك من يذهب إلى أن لفظ الآيات إنما ينسب إلى الله، يعني خارق العادة إذا نُسب إلى الله يسمى آيات، وإذا نُسب إلى الرسل يسمى معجزات، فلا يقال: معجزات الله، بل يقال: آيات الله، ومعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام, وخارق العادة الذي ينسب إلى الأولياء يسمى كرامات، وهذا مذهب لطيف، لكن من الأمور التي ينبغي أن تُعلم أن الله سبحانه وتعالى استعبد الرسل عليهم الصلاة والسلام بإظهار المعجزات, والاحتجاج بالمعجزات على كل الناس الذين يدعونهم إلى الله، فإذا كتموا المعجزة خالفوا أمر الله في ذلك الكتم، أما الكرامات فإن الله استعبد الأولياء بكتمانها.
هذا أمر ينبغي أن ينتبه إليه، إن الله استعبد الرسل بإظهار المعجزات، واستعبد الأولياء بكتم الكرامات، فإذا رأيت الولي يتباهى بإظهار كرامته, فاعلم أنه قد خالف أمر الله، هذا على افتراض أنه ولي، على افتراض أننا ما رأينا من سلوكه إلا ما يوافق الكتاب والسنة، وافترضنا أنه ولي، فإنه مأمور في حال ولايته بكتم هذه الكرامة حتى لا يُفتن ولا يفتن أصحابه بها، فقد استعبد الله الرسل عليهم الصلاة والسلام بإظهار المعجزة والاحتجاج بها على المدعوين إلى الله فإذا كتم المعجزة رسول فقد خالف أمر الله، أما الأولياء فإنهم استعبدهم الحق بكتم ذلك عن الخلق، فإذا أظهروا ذلك، إذا أظهروه اختياراً فقد خالفوا أمر الله وعصوه، اللهم إلا أن يكون ظهورها قهراً عنهم، يعني من غير اختيار ولا إرادة.
الأمر الثاني: أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يحتجون بالمعجزات على المشركين لأن قلوبهم قاسية لا تؤمن بالله، أما الأولياء فإنهم يحتجون بالكرامة على نفوسهم.
هذا أمر مهم، ما في ولي يحتج بكرامته على الناس، ويقول: تريدون أن تعرفوا أني ولي, إذًا انظروا إلى الكرامة، هذا لا يندرج في ميزان الولاية أبداً، إذًا إذا أراد الله أن يثبت قلب عبد صالح أظهر له بعض خوارق العادات حتى يطمئن، لأنه قد ورد في القرآن الكريم وهو وجه من وجوه التفسير أنه لطمأنينة القلب { قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} أحد وجوه التفسير أنه طلب ذلك لنفسه {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]
إذاً قال: { لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} مع أنه رسول، أما الوجه الآخر للتفسير وهو "ليطمئن قلب نمرود" فيكون هذا باعتبار أنه رسول، أما ولي من أولياء الله إن أظهر الله له شيئاً خارقًا للعادة كأن يكون مهمومًا عنده مشكلة، فسجد بين يدي الله وقال: يا رب أنا في أزمة، لا أريد أن أذهب إلى زيد وعمرو من الظلمانيين وأصحاب الجاه المكدَّر والمكدِّر، أنت الذي بيدك المقاليد حلها من عندك، وإذا به يجد المشكلة قد حُلَّت ، فيقول لنفسه: أما رأيت، ما زلت تلتفتين إلى الخلق، ما زلت تنظرين إلى الأشياء, افهمي عن الله سبحانه وتعالى، افهمي أنه هو سيدك فلا تقولي: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولا تقولي: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة/5] إلا له.
إذاً الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يحتجون بالمعجزة على نفوسهم لأن نفوسهم طاهرة، لأن نفوسهم موقنة، لأن نفوسهم معصومة،لأن نفوسهم مستسلمة في حضرة الله، لكن الأولياء ليس لهم هذا، فإنهم كلما أكرمهم الله سبحانه وتعالى بالكرامات قالوا: للنفس تأدبي في حضرة الله, وإياك أن تلتفتي بعد هذا إلى غيره.
الأمر الثالث: أن الرسل والأنبياء كلما زيدت معجزاتهم يزدادون ارتقاء ويكون أتم لمعانيهم، حتى قال العلماء: أكثر معجزات الرسل كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه زاد عليهم بالمعراج، وزاد عليهم بانشقاق القمر، وزاد بمعجزة القرآن إلى يوم القيامة لأن معنى رسول الله أتم.
لكن إذا رأينا رجلاً ممن ينتسب إلى الصلاح، ويحب أو تكثر عليه خوارق العادات فافهم أنه أقل رتبة.
نحكي لكم هذه الحكاية لأنه كما يقولون شاهد على التاريخ وشاهد على العصر... أحياناً بعض الكلمات لم يسمعها الناس وسمعناها فنحب أن لا نكتمها.
بعضكم يسمع برجل صالح في حلب اسمه الشيخ نعسان الفرواتي رحمة الله عليه، هذا رجل متواضع لم يدع العلم، وكان يحضر دروس العلماء، لكن هو رجل صالح، ولي من أولياء الله.
كنت في زيارة له, ثم قال لي: سنذهب لزيارة أخيه, وفي الطريق كنت أمشي معه وهو يضع يده في يدي، فحكى لي حكاية مناسبة في هذا المقام قال لي: كان لي صديق من بيت عجان الحديد في الرقة, وكان يكثر من خوارق العادات إلى درجة لا يتصورها عقل، فكان ربما يصُفُّ اثني عشر رجلًا, ويمسك سيفًا ويقطع الرأس عن البدن، ويضع الرأس في مكان والجسد في مكان ويتركه ويذهب إلى الحضرة، ويذهب إلى الذكر ويشتغل مع إخوانه بالذكر ما يقرب من ساعة, وبعد انتهاء الذكر يأتي إلى الرأس والجسد ويعيده ويقومون ويأتون ويقبِّلون يد الشيخ، قال: كان يفعل أشياء لا يتصورها عقل، ثم قال لي: جاء إلي هذا الرجل يزورني في حلب, وقال له: يا شيخ نعسان إذا مررت إلى الرقة زر قبري، قال: فعلمت أنه يخبرني عن دنو أجله، ثم قال له: أنت شيخ رفاعي, وأنا أوصيك وصية من خلال خبرتي طول حياتي، "الإنسان يكون أبعد ما يكون عن ربه عندما يقوم بخوارق العادات"
وهذا سمعته من هذا الرجل الصالح وكان يحكيه لي، يقول لي: لذلك نحن نبتعد عن خوارق العادات وعما يشتهر به الناس منها، فقال له: أبعد ما يكون، أي:كنا نشعر بانخفاض في الأحوال, وبعد عن الله عندما نقوم بخوارق العادات.
إذاً الرسل عليهم الصلاة والسلام كلما ازدادت المعجزات في حياتهم يكون ارتقاء لهم، لكن خوارق العادات كلّما ازدادت في حياة هذا الرجل الصالح تكون فتنة له.
وقبل أن أتحدث عن قضية الكرامات وموقف سلفنا منها، لا بد أن أذكر القيود السبعة أو الثمانية للمعجزة، لأننا نتحدث في هذا المبحث عن المعجزة والكرامة، وقد أردت أن أقارن بين بيتي الجوهرة:
بِالمُعْجِــــــــــــــزَاتِ أُيــــــــــدُوا تَكَـرُّمَـا وَعِصْمَـةَ الْبَـارِي لِكُـلٍّ حَتِّـمَـا
وقوله:
وَأَثْبِتَــــــــــــــــــنْ لِلأَوْلِيَـا الْكَــــــــــرَامَـةْ وَمَـنْ نَفَاهَـا فَانْبــــــــذَنْ كَـلاَمَـهْ
مع أن بين البيتين بعض الأبيات لكن وجدت أن المقارنة لازمة ومفيدة في هذا الباب، والقيود الثمانية نحفظها:
أولاً: أن تكون المعجزة قولاً، أو فعلاً أو تركاً.
فالقول كالقرآن فهو معجزة، أو تكون فعلاً كنبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، أو تركاً كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
القيد الثاني: أن تكون خارقة للعادة.
والعادة ما درج عليه الناس واستمروا مرة بعد مرة، فغير الخارق لا يُسمى معجزة، فإذا قال رسول من الرسل أو قال شخص: إنّ آية صدقي أن تطلع الشمس من المشرق, فنقول: طلوع الشمس من المشرق ليس خارق عادة, فلا يسمى معجزة.
القيد الثالث: أن تكون على يد مدّعي النبوة أو الرسالة.
يقول: هذا الخارق للعادة دليل على أنني مرسل من الله، فحين تظهر المعجزة مقترنة بهذه الدعوى يكون خبراً من الله سبحانه وتعالى، لأن الخبر نوعان: قولي وفعلي، وهذا خبر فعلي.
القيد الرابع: أن تكون مقرونة بدعوى النبوة.
القيد الخامس: أن تكون موافقة للدعوى.
فإذا قال: آية صدقي انفلاق البحر، فانفلق الجبل، فلا تسمى معجزة، أي لابد أن تكون موافقة للفظ الرسول ودعواه أنه رسول.
القيد السادس: أن لا تكون مكذبة له.
فإذا قال: آية صدقي أن ينطق هذا الحجر, فنطق الحجر بأن هذا كذاب, فلا تكون معجزة، لكن قالوا إذا قال: آية صدقي نُطقُ هذا الميت، فلما أحيا الله هذا الميت قال: إن هذا الرسول كذاب، فلا يعتبر قوله لأنه مكلّف ومختار أما الجماد فهو غير مكلف، فقد يكون هذا الميت كافرًا فنطق بما يعتقده قبل إحيائه، وقبل مماته كان كافراً فنطق بما هو عليه فلا يُعتبر، أما إذا قال: آية صدقي أن ينطق هذا الجماد فنطق الجماد, وقال: هذا كذاب لا تسمى معجزة.
القيد السابع: أن تتعذر معارضته.
لا يستطيع أحد من الخلق على وجه الأرض أن يعارضه.
القيد الثامن: أن لا يكون في زمن خوارق العادات الذي هو آخر الزمان.
لأن آخر الزمان هو زمن خوارق العادات، مع الأسف نتذكر الحادثة في حلب لما قدم أحدهم, وقال: تعالوا نأتي بالإنجيل ونقرأ عليكم الإنجيل وتشفوا من أمراضكم, فتجمع حوله الكثير من الناس ومع الأسف كان أكثرهم مسلمين.
إذاً يخرج قبل المسيح الدجال ثلاثون دجالاً، هكذا جاء في الحديث وكلهم يقلدون المسيح الدجال ويخرج معهم خوارق عادات، فتطلع الشمس من المغرب، ويخرج الدجال، ويأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت ....
إذاً هذه القيود الثمانية ينبغي أن تكون حاضرة في تفريقنا ونحن نفرق بين المعجزة وغيرها.
لكنْ قبل أن نخرج من هذا البحث لابد أن أوقفكم على ما كان عليه سلفنا، ما كان عليه الكبار من الرجال، هل كانوا يسعون إلى الكرامة؟ لأن العالم الآن مقبل على زمن خوارق العادات، ولذلك أحببت أن أنبّه إلى هذا المبحث الخطير.
أبو الحسين النوري أحد أقران الإمام الجنيد وهي قصة حكيتها أكثر من مرة لكن لابد قبل أن أحكي غيرها أن أوردها:
قال: كان في نفسي من خوارق العادات شيء، يعني كنت أتعلق بها، وكأنه كان يريد تثبيت إيمانه كثيراً، قال: فأخذت من الصبيان قصبة وهو على شط البحر، وقمت بين زورقين وقلت وعزتك لئن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال، لأغرقن نفسي، هكذا توجّه بالدعاء، ومعلوم الحديث ربّ أشعث أغبر لو أقسم عل الله لأبره، قال خرجت لي سمكة فيها ثلاثة أرطال، الآن أين الشاهد؟ سمع ذلك الإمام الجنيد الذي كان في زمانه فقال: كان حكمه أن تخرج له أفعى فتلدغه.
أما الشيخ الكبير أحمد الرفاعي رحمه الله فيقول: "لا تجعل غاية همّتك ومنتهى قصدك أن تمر على الماء أو تطير في الهواء يصنع الطير والحوت ما أردت" يعني تريد أن تصبح عصفور؟ غاية ما تحلم به أن تصبح عصفور والله جعلك إنساناً؟ أو تمشي على الماء؟ الحوت يمشي على الماء.
إذاً هذا غاية همّك، "طر بجناح همّتك إلى ما لا غاية له، العارف المتمكن لا شيء عنده من العرش إلى الثرى أعظم من سروره بربه"
أما سهل بن عبد الله التستري رحمه الله وهو من أعيان سلفنا الصالح، فلما ذكرت الكرامات عنده قال: "وما هي؟ شيء ينقضي لوقته، أكبر الكرامات أن تبدل خلقاً مذمومًا من أخلاق نفسك".
أي: إذا تحولت أخلاقك إلى أخلاق حسنه فهذه من أعظم الكرامات.
أما أبو يزيد البسطامي رحمة الله عليه, فقال: كان في بدايتي يريني الحق الكرامات فلا ألتفت إليها، فلما رآني كذلك فتح لي باب المعرفة، وقيل له: فلان يمر في ليلة إلى مكة فقال: "الشيطان يمر في لحظة من المشرق إلى المغرب"، لماذا تتعجبون، لماذا جعلتم هذا شيئاً معتبراً, وإبليس بخطوة واحدة ينتقل من الشرق إلى الغرب، فهذا فعل إبليس, وهو في لعنة الله.
وقال أبو يزيد رحمه الله: " لو أن رجلاً بسط مصلاه على الماء وتربع في الهواء, فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي".
كيف هو عند الشريعة، فإذا رأيتم أنه وقّاف عند الشريعة عند ذلك يمكن أن يستأنس بهذه القرينة.
وقال رجل اسمه عبد الرحمن بن أحمد لسهل بن عبد الله التستري: يا أبا محمد ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من يدي فيصير قضبان ذهب وفضة، كلما توضأت ينزل الماء وإذا به يتحول إلى قضبان من الذهب والفضة، فقال له سهل: "يا حبيبي أما علمت أن الصبيان إذا بكوا يناولون خشخاشة حتى يشغلوا بها؟ الحق يريك هذه الأشياء، هل تلتفت إليها؟ فإذا كنت ممن تلتفت إليها فما أنت من العبودية بشيء، أنت بعيد عن العبودية لله، العبودية لله أن تنصرف عن كل شيء ولا تتعلق بشيء من الأشياء، أن لا تتعلق إلا بالله.
وذُكر عن أبي حفص النيسابوري أنه كان جالساً وحوله أصحابه, فنزل ظبي من الجبل، غزال نزل من أعلى الجبل وبرك عندهم, فبكى أبو حفص وسيّب ذلك الظبي، فسأله أصحابه عن بكائه, فقال: كنتم جالسين حولي في البرية, فوقع في قلبي أن لو كان لي شاة لذبحت لكم، اشتهيت أن أكرمكم أن أذبح لكم شاة وتشووها وتأكلوا وتفرحوا ... قال: هكذا خطر في بالي هذا الخاطر، لو كان لي شاة لذبحت لكم، فلما برك هذا الظبي عندنا شبّهت نفسي بفرعون حين سأل أن يجري معه النيل فأجراه الله له، وقف فرعون وأراد من النيل أن يجري فحصل مراده، فشبّهت نفسي بفرعون, فلما تذكرت هذا الخاطر بكيت وسألته الإقالة، قلت: يا ربي, لا أريد شيئاً جاء من مرادي، أريد أن تجعلني بمرادك وعلى مُرادك.
ونختم لكم بقصة، ربما الأشياء التي لم تكتب في الكتب قد لا تسمعونها ولا تقرؤونها لأننا نرويها بالسند، حكا لي أستاذي عن أستاذه الشيخ العارف الكبير الشيخ محمد الهاشمي التلمساني رحمة الله عليه قال:جاء أحدهم إلى الشيخ وبدأ يقول له: يا شيخي أريد منك كرامة, أنت ولي وأريد أن أرى كرامة لك، وصار ديدنه وشغله كلما رأى الشيخ أن يقول: يا شيخي أريد كرامة، بعدها الشيخ قال له: خير، خير إن شاء الله، والشيخ متواضع في غياب عن نفسه ومشى هذا الرجل مع الشيخ وهو ينتظر الكرامة, وبعدها الشيخ وصل إلى بيته, فقال له الرجل: أنت وعدتني أن تريني الكرامة، أين الكرامة, وأنت صادق، قال له ما رأيتها؟ فقال: لم أرها، قال: كيف لم ترها، نحن نستحق بأعمالنا أن تخسف الأرض بنا، والأرض لم تخسف.
لو أن الحق سبحانه وتعالى سوف يعاملنا بما يليق بأفعالنا كان خسفت الأرض بنا وما خسفت، فهذه كرامة، وهكذا وجّهه الشيخ إلى احتقار النفس، وجّهه الشيخ إلى غياب النفس، كان الجنيد يقول: "لولا أنه يروى أنه يكون زعيم القوم في آخر الزمان أرذلهم ما تكلمت عليكم"
هذا هو حال أهل الله، يكفي كذب، ودعاوي ودجل، ولمعان وبريق دعونا نلتزم العبودية لله بعيداً عن الشخصانيات، وأقول دائماً لا تذكروا لنا الأشخاص، لا نعظّم ولا نلتصق بشخص نعتقد كماله الكمال البشري المطلق إلا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ولن تجتمع الأمة إذا كنا سنبقى نقول: أنا من جماعة الشيخ الفلاني، وأنا من جماعة الشيخ الفلاني لن نصل إلى نتيجة، قولوا: نحن جماعة محمد صلى الله عليه وسلم، قولوا نحن من المسلمين، كفانا ... علينا أن نلتزم حدّنا، كفانا فخرًا، كفانا خيلاءً، علينا أن نتوجه بقلوبنا إلى الله، فإذا توجهنا بقلوبنا إلى الله عند ذلك الحق سبحانه وتعالى ينظر إلى قلوبنا فلا يرى فيها غيره، والحق غيور إذا رأى في قلب عبده غيره عند ذلك لا يلتفت إليه.
وهكذا قلت لبعض الأخوات: هل تعلمون لماذا لم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة, ولم يتزوج علي رضي الله عنه على فاطمة؟
قلت لأن الغيرة قد انتزعت من قلبهما, فكانتا مشغولتين بالله، فلما لم يبق في قلبهما من الغيرة شيء وكانتا مستغرقتين بالله فغار الله عنهما، فقال: لا يمكن أن تجتمعا مع زوجة ثانية، لكن لما حصلت الغيرة في سواهن وكلَهن الله إلى ما عليه الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة إن الله زوجني آسية وزوجني مريم قالت: بالرفاه والبنين يا رسول الله.
أما فاطمة رضي الله عنها, فلم تكن ترى من الدنيا شيئاً, ولم تكن ترى من الآخرة شيئاً، وكانت مستغرقة في حضرة الله، شمس مشرقة، فلما أراحت نفسها من الغيرة غار الحق عنها، وقلت للأخوات: أتردن أن لا يتزوج أزواجكن عليكن؟ انزعوا الغيرة من قلوبكن، إذا نزعتن الغيرة فالحق يغار, وتنتهي القضية, وعند ذلك تغلق في وجه الزوج كل الأمور، وكل الأبواب، لكن طالما أن النفس متعلقة بالأشياء يكلُها الحق إلى الأشياء.
أنت متعلقة بالأشياء فستوكلين إلى الأشياء، لكن إذا توكلت على الله واستغرقت في حضرة الله، وتوليت الله، يتولاك الله.
نصيحة: اجلس في خلوتك، قلت لأحد أصحابي الواحد منا بيته ثلاثمائة متر أيخسر أن يخصص متر ونصف مربع ويعين في بيته هذا المتر ونصف ويقول هذا مسجد البيت؟
أحيانًا نضع تحفة فتأخذ مساحة متر وربع أو متر ونصف، إذًا عيّن سجادة وثبتها في الأرض وهذه السجادة صار حكمها حكم المسجد, وقل هذا مسجد بيتي، فكلّما اشتقت إلى ربك, وقفت على هذه السجادة وصليت ركعتين وبعدها جلست تذكر الله، وتتوجه إليه وتأنس به، وإذا كنت لا تعرف كيف تذكر تعال حتى نعلمك كيف تذكر، حتى نعلمك كيف تتدرج في الرحلة من الخلق إلى الحق، مسألة يسيرة ولها أصول، لكن مثل ما تخصص وقتًا لوظيفتك وعملك و تخصص وقتًا لفطورك وغدائك وعشائك خصص وقتًا لغذاء روحك كل يوم مرة أو مرتين. {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الأحزاب/42]


أعلى الصفحة