الموقع الشخصي للدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
الطب مهنتي والشعر أغنيتي وعلوم القرآن والسنة ثقافتي والتصوف ذوقي وسجيتي والفكر سلاحي وعلامتي والتربية بنقل الناس من علائق الكون إلى الاستغراق في حضرة الله وظيفتي وتحبيب الخلق بخالقهم فني وهوايتي
 

موقع الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
 
Articles المقالات
 
ردّ على ما نُشر في شبكةُ العربية من مقابلة مع د. محمود أبو الهدى الحسيني
فكر
 
ملف نصي   كتاب إلكتروني  
الأزمة الفكرية والثقافية التي تثيرها الفضائيات الكثيرة والمواقع الالكترونية غير الملتزمة والتي تتخذ من مبدأ (اللامبدأ) منطلقًا، وتزعم أن هذا التوجه يمثل هوية التحرر المعاصر، وشخصية الإنسان المنشود في عصر العولمة الجديد، إنما هي أزمة مصنوعة خصوصيا لعالمنا الإسلامي والعربي، فقضية (المحرقة اليهودية) في ألمانيا لا تقبل الرأي والرأي الآخر، أما ثوابتنا الإسلامية فهي محلُّ التلاعب، وموضوع اللعبة الجديدة التي لا يُراد منها إلا صرفُ هذه الأمة عن ثوابتها الكبرى، لا سيما في واقعٍ إسلاميٍّ يُستَثْمَرُ جهلُ أبنائه بثوابتهم، فتصبحُ الأهواءُ (فتاوى) والآراء (عقائد) .
أقول هذا بعدما استثمرت المقابلة معي شبكةُ العربية alarabiya.net ورأيتُ من خلال التعليقات كم يفعلُ صانعوا هذا الإعلام في واقع المسلمين من الألم والفرقة والشتات، وكم يستثمرون بُعدَ المسلمين عن ساحة العلم لزيادة الشرخ، وتوسيعِ المسافة بين أمة الإسلام.
فقد سمعَ الموظفون في شبكةُ العربية alarabiya.net بخبر تدريسنا في الجامعة العالمية (هارتفورد سيميناري) من خلال بعض الشبكات على الانترنت مثل شبكة أخبار سورية syria-news التي نقلت الخبر بأمانة، لكن شبكةُ العربية alarabiya.net– بنظري- وظفت الموضوع توظيفا سيئا.
وقبل أن أخوض في الحديث التفصيلي ألفت النظر إلى ضحالة الخبرة في نقل المعلومة لدى شبكة العربية alarabiya.net فقد ذكرتُ في المقابلة أنَّ (د. حسام فرفور هو من شخصيات دمشق) ونقَلَتْ (العربية نت) عني أنني أذكرُه في شخصيات حلب، وحكيتُ في المقابلة أنني (أدير البحث العلمي في الجمعية السورية للنباتات الطبية التي اتخذت في جامعة حلب مقرًّا لها) فيها ونقَلَتْ (العربية نت) أنني أستاذٌ في كلية الطب في جامعة حلب.
فإذا انتقلتُ من التعليق الفني إلى التعليق العلمي والفكري، رأيتُ أنَّ (شبكة العربية alarabiya.net) تمارسُ انتقائية في نقلِ التعليقات فقد قام بالتعليق العلمي على المقابلة عدد كبيرٌ وأخبرني أنَّ شبكة العربية لم تنشر تعليقه والأصل أنَّ التعليقات تظهر على الشبكة تلقائيا، وهذا يدلُّ على التزييف للحقائق باسم الحريات.
وبعد هذا أقول: ربَّ ضارَّة نافعة، فهاهي هذه ساحة مجتمعاتنا الإسلامية في عالمنا العربي تبدي تخلخل الصفوف وفوضوية التفكير، فالأزمة الثقافية، والفكريةُ، والعلميةُ، والأدبية، والاجتماعية والإقليمية كبيرة إلى حدٍّ لا يُتصور.
وبدلاً من حوار العلم يرتفع في ساحاتنا صُراخ الغاضبين، وبدلاً من أخلاق الإيمان وأخوة الإسلام، ينقشع الستار عن إعجابِ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، وضياعِ أكثرنا عن مقاصدنا الكبرى وغاياتنا الرفيعة وحضارتنا الإنسانية الثمينة.
إننا نعيش أزمة تخلفٍ تربوي شديد، وحالة مرض عضال.
أما كفانا يا ناس؟
السلفية اصطلاح، والتصوف اصطلاح، والفقه اصطلاح، والعقيدة اصطلاح، فإن أرجعنا الاصطلاح إلى مضمونه الأصيل، اتفقنا جميعًا، اللهم إلا أن يكون الإنسان مصِرًّا أن يكون نازعاً بهواه إلى الانحراف.
فالسلفية الأصيلة: هي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح في الأقوال والأفعال والأحوال.
والتصوف الأصيل: إن لم يكن (أن تعبد الله كأنك تراه) متبعاً رسوله صلى الله عليه وسلم ومصطفاه، فليس تصوفاًَ أصيلاً.
والفقه الأصيل: هو شارحُ العبادةِ النبوية الكريمة والمعاملة الإسلامية النبيلة، التي جاء بها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
والعقيدةُ الأصيلة: هي ما وافق كتاب الله وهدي حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.
والطريقةُ الأصيلة: هي الدين فقد قال الله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً} [الجن : 16].
إنني حين أستعمل كلمة التصوف، فأنا لا أقبل منها إلا معناها الأصيل، ومضمونها الحقيقي المطابق لمعنى الإحسان، ألم يستخدم شيخ الإسلام ابن تيمية كلمة التصوف في فتاواه.
أما (الطُرقِيّةُ) التي أشرتُ إليها في الحوار مع العربية فأعني بها كل من وقَفَ معها، فكانت بالنسبة إليه غايةً لا وسيلة، فالشاذليةُ على سبيل المثال وسيلةٌ فإذا تجَاوزْتَ من خلال هذه الوسيلة الدربَ إلى رُكنِ الإحسان الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم فستكونُ صوفياً أو محسنًا (قل ما شئت، وحدد المراد من قولك) ، لكن حين ينحرف الفقيه الحنبلي أو الحنفي أو ذو الطريقة القادرية أو الدسوقية في سُلوكه عن ضوابط الفقه الإسلامي ويجعلُ الوسيلةَ غايةً، فإنه سينصرف عن المقصود ، ويجعل المطيةَ في السفر مقصودَ السفرِ نفسه.
إنني لا أضعُ (الطُرقية) التي تنحرفُ عن الثوابت الشرعية في دائرة التصوف (أو الإحسان) وحين أكرر كلمة (التصوف) فمن أجل التأكيد على أنه مصطلحٌ علميٌّ (كمصطلح الفقه والعقيدة ) لا يلغيه انحرافُ طُرُقيٍّ يستثمرُ الدين لدنياه وهواه.
وأقول لإخوتي في الجزيرة العربية: أنتم أهل الحرمين، وإنني أُشفِقُ على بلاد خرج منها دعاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم للشام بالبركة أن تتَّهم بلاد الشام المباركةَ بالخروج عن الإسلام، بلادُ الشام التي تقع اليوم في فلسطينها وسوريتها، وبُلدانها الأخرى أزمات يصنعها أعداءُ الإسلام، وبدلاً من أن تكون أمتنا أمة الصف المرصوص يُنشئ بعضُنا على بعضِنا الآخر حرباً ضروساً.
ما قيمة صورةِ الإسلامِ من غير محبةٍ، ومن غير إخلاصٍ ومن غير صدقٍ، ومن غير شوقٍ، ومن غير توكلٍ، ومن غير تواضعٍ، ومن غير أدبٍ، ومن غير مراقبة لله تعالى، ومن غير حضورٍ روحيٍّ في حضرةِ تعظيمه؟
دعونا من حكاياتٍ لم يثبتْ نقلها في التاريخ، فإن التاريخ لم يُنقل كُلُّهُ إلينا بأمانةٍ، وابدؤوا صفحة جديدة معاصرة منطلقُها الإسلامُ وغايتها نشرُ الرحمة في جميعِ الأرض.
إننا نملك ثروة إنسانيةً وحضاريةً علميةً كبيرة، ومن المعيب أن نعتبرَ حوارَنا مع الشرقِ أو الغربِ انتقَاصاً من منـزلةِ شخصيتِنَا الإسلاميّة المعنوية.
إننا بحاجة إلى قلبٍ مُحبٍ يستوعِبُ من يَشتُمه بالحلم والرحمة، ونحتاجُ إلى شجاعةٍ في الحقِّ، لكنَّها لا تتجاوز حدودَ الآداب التي علَّمنا إياها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، نحن بحاجة إلى أن نأخذ من تاريخنا ما وافق أصولنا الأصيلة. وأن نتركَ في جوانب النسيانِ ما نقِفُ أمامَهُ في الشبهةِ والحيرة، فالميزان النبويُّ حاضرُ، ولابد لنا جميعاً من إعادةِ النظر في مواقفنا المعاصرة لنخرجَ جميعاً بصيغةٍ تتَّحدُ في الهدفِ مع تنوع أساليبها المختلفة.
فهل سيلقى هذا النداءُ آذاناً تصغي إليه بتعقُّلٍ وحكمة؟
أعلى الصفحة