الموقع الشخصي للدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
الطب مهنتي والشعر أغنيتي وعلوم القرآن والسنة ثقافتي والتصوف ذوقي وسجيتي والفكر سلاحي وعلامتي والتربية بنقل الناس من علائق الكون إلى الاستغراق في حضرة الله وظيفتي وتحبيب الخلق بخالقهم فني وهوايتي
 

موقع الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
 
Masjed Lessons دروس مسجدية
 
( باب التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى(2
التصوف
جامع العادلية بحلب
14/6/2006
 
ملف نصي   كتاب إلكتروني   استماع ²
قال تعالى:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 190-191].

التفكر في الأجرام غير التفكر في فعل
باريها، فالحقُّ سبحانه وتعالى لم يوجِّه الأفهام إلى الأجرام, إنما وجّه إلى فعله
تعالى، لأن الخلقَ والإحياءَ والإماتةَ والخفضَ والرفعَ والقبضَ والبسطَ والعطاءَ
والمنعَ .. كلها من أفعاله.

فإذا تفكر الإنسان في الأشياء فإنه
يقف مع الأجرام والأجسام, لكنه إذا تفكر في فعل مُظهرِها ومُبديها ومُنشيها
وباريها .. فإن هذا الفعل يسوقه إلى الفاعل، لهذا لم يقل سبحانه: إن في السماوات
والأرض, لكنه قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ} وقال: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي يتفكرون في فعل الله.

وإذا أردت أن تقرأ الفيزياء،
والكيمياء، والطب، والبيولوجيا .. مقطوعةً عن فعل مُظهِر هذه السنن، ومُظهِرِ
الأسباب والمسبَّبات, فإن نظرت إلى كل هذا مقطوعًا عن فعل باريه فستكون أسير
المادة، وأسير الأشياء، وستكون في حالة من الضياع والحيرة والغفلة، والحقُّ سبحانه
أراد أن يتنبه الإنسانُ إلى أنه في كل نَفَسٍ وفي كل يومٍ شأنيٍّ خلقٌ جديد, فقال:
{بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15].

ففي كل لحظة يحصل التبدل: فنكون في
النهار، ثم يدخل أول الليل, ثم ننتقل إلى الليل, ثم يطلع الفجر .. ونرى من حولنا
كيف كان الحرُّ في الظهيرة، ثم زال الحرّ وأصبح الجوُّ مائلاً إلى البرودة، فمَن
الذي يغيِّر؟

الجاهل الغافل يقول: كان في الظهيرة
حرٌّ، ثم صار في المساء قرًّا، ويقول: كان نهارُ, وجاء ليل .. لكن الذي ينظر إلى
الفعل يقول: سبحان من أخرج لنا النهار، وسبحان من أتى لنا بالليل، وسبحان
المُغيِّر ..

ننظر إلى الأرض الجرداء في الشتاء,
كيف يخرج فيها ما لا يُحصى من الأزهار بعد ذلك في الربيع, والأشجارِ والأوراقِ, ثم
تظهر الأثمار في الصيف .. فإذا نظر الإنسان إلى كل هذا بغفلة يقول: خرج العشب،
وتفتحت الأزهار، وأثمرت الأشجار .. لكنه إذا نظر إلى فعل الفاعل يقول: سبحان من
أنبت هذا بما أنزل من الماء, وأحيا الأرض, وأخرج الأخضر, وأخرج البديع مما تلون من
الأزهار ..

ألم يقل سبحانه:
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}
[الروم: 17]؟

إنه سبحانه أراد منا ونحن نرى الصباح
أن نقول: سبحان من أظهر الصباح, وإذا جاء المساء أن نقول: سبحان من أظهر المساء،
{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا
وَحِينَ تُظْهِرُونَ} أي في كل الأوقات يكون العبد مسبِّحًا، ويشهد أنه
سبحانه وتعالى أظهر ذلك بمحض فضله.

وقال تعالى:
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ} حتى لا يتوهم الإنسان أن الحق سبحانه يفعل فعلاً
قبيحًا، ففي الحقيقة لا يوجد قبيح:






إذا ما رأيت اللهَ في الكل
فاعلاً





رأيــت جمـيع الكائنــات
ملاحًــا






وقال: {وَلَهُ
الْحَمْدُ} فالعبد يشاهد بأمِّ عينه بعضَ الحِكَم، فيحمده عليها.

ولما أراد الله سبحانه وتعالى أن
يُطَهِّرَ بني إسرائيل أرسل سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، وسلط عليهم فرعون،
ووجههم إلى أن يجعلوا بيوتهم قبلة: {وَاجْعَلُواْ
بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [يونس: 87] أي توجهوا إلى
الله، وتضرعوا، فأخرجَهم من قبضة فرعون، لكنهم لم يكونوا قد وصلوا بعدُ إلى الطهارة
التي يريد المولى أن يصلوا إليها.

فكانت شدة الأذى من فرعون في ظاهرها
أمرًا سيئًا، ثم جاء التضييق الثاني بدخولهم التيه، وبعد ذلك خرج شبابٌ استطاعوا أن
يهزموا جالوت, فلو نظر الإنسان إلى كون هذا سببًا لإرسال سيدنا موسى، يرى أن كل ما
حصل يسير وفق حكمة عجيبة.

فقد يقف الإنسان مع ظاهر الشيء فيرى
قبحَه، لكنه إن نظر إلى أنه فعلُ حكيمٍ, يتغيَّر مشهدُه عند ذلك.

فلو نظرت إلى جرح الطبيب الجرَّاح دون
أن تعلم ماهيَّة الجَرح ستراه قبيحًا, مظهرُه جراح ودماء .. لكنك إن نظرت إلى فعل
هذا المُطبِّبِ الذي ما قام بهذا الجرح إلا ليخرج عِلَّةً، فعند ذلك يكون المشهد
متغيرًا.

إذًا: الذي يقف مع ظاهر الشيء دون
النفاذ إلى فعلِ فاعلِه يرى قُبحًا, وعندما ينظر إلى الفعل وهو يعلم أنه فِعلُ
رحمنٍ, رحيمٍ, متكرِّمٍ, كريمٍ, منعمٍ, جوادٍ, عدلٍ .. يقرأ الفعل ويشهد فيه شيئًا
آخر.

وهذا لا يمكن أن يكون إلا لمن نظر إلى
اللُّباب لا إلى القشر، وإذا استطاع أن ينظر إلى اللباب وأن يتجاوز القشر يكون من
أهل الألباب، لهذا قال سبحانه:

{إِنَّ فِي
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} بكل ما فيها من لطيفٍ وكثيفٍ: السماوات
اللطيفة بجنسها المَلَكوتيّ، والأرض الكثيفة بجنسها المُلْكيّ.

{وَاخْتِلاَفِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي التغير الذي يسوق الناظر إلى شهود فعل المغيَّب.

{لآيَاتٍ}
والآية إما أن تكون علامة، أو أن تكون الشيءَ الجميل المتقَن، قال تعالى:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً} [الشعراء: 128].

فانظر بهذا المنظار، منظارِ مشهد
الآية، فإذا قلتَ: هذه آية، فهذا يعني أنها وصلَتْ في الجمال والإتقان والإبداع
حدًّا تقول فيها: هذه آية.

فقوله: {إِنَّ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}
بكل ما فيه: في السماوات وفي الأرض، وفي الليل وفي النهار، وفي اختلاف الليل
والنهار، وفيما حواه الليل والنهار .. كل هذا هو مشهدُ آيات، لكن هذه الآيات لا
يشهدها إلا أولو الألباب, لذلك قال سبحانه:

{لأُوْلِي
الألْبَابِ} فمن لم يكن من أولي الألباب يشهد القبح، ومن كان من أولي
الألباب يشهد الصبح.

ومن هم أولو الألباب؟ وكيف يصير
الإنسان من أهل الألباب؟ وما الطريق حتى ينفذ من القشر إلى اللباب؟

قال تعالى:

{الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللّهَ} أي الذين لا يغفلون عنه، والذكر ضد الغفلة.

فما الذي يحضر في قلبك: الأشياء أم
مبديها، والأشخاص أم خالقهم؟

هذا هو السؤال الذي من خلاله يستطيع
الإنسان أن يعرف نفسه: هل هو من أهل الذكر أم من أهل الغفلة؟

فإذا كان الغالب على قلبه حضور
الأشياء فهو من أهل الغفلة، وإذا كان الغالب على قلبه حضور معنى فعلِ مُظهرِها
وخالقِها وباريها ومنشيها فإنه يكون ممن يذكرون الله.

{قِيَامًا}
حين يأمرهم بالقيام بأمره.


{وَقُعُودًا} حينما يأمرهم بالترك، فيقعدون عن السعي إلى المنكر،
ويقومون بما أمرهم به.

{وَعَلَىَ
جُنُوبِهِمْ} وهي حالة الاستسلام، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أوى
إلى فراشه يقول: أسلمت نفسي.

ونحن لا نُعطِّل المعنى الظاهر،
فقوله: {يَذْكُرُونَ} أي بكل معاني الذكر: العلم أو
القرآن الكريم أو الصيغ المأثورة: كالتسبيح والاستغفار .. فهذا كله ذكر، ولكننا
ننفذ أيضًا من المعنى الظاهر إلى لطائف العبارات.

قال سبحانه:
{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}
فهم يذكرون الله, ويتفكرون في فعله، لا يتفكرون فيه، فيسوقهم هذا التفكر إلى حالة
العبودية, فيخاطبونه:

{رَبَّنَا}
فلا يخاطب الربَّ إلا العبدُ.

{مَا
خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} فلا شيء من هذا الذي فعلْتَه يوصف بالباطل بل
كلُّه حقٌّ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ
عَبَثًا} [المؤمنون: 115] فليس فعلٌ من أفعاله تعالى يوصف بالباطل أو
بالعبثية.

قد يقول قائل: زوجتي أخلاقها سيئة،
أزعجني عدوي، آلمني مرضي .. نقول له: هذا كله إما تكفير سيئات أو رفع درجات، فينبغي
عليك أن تشهد ما وراء هذا القبح من جمال.

وهكذا إذا بدأ الإنسان يفهم عن مولاه
فإنه يقول: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}
فيشهد كلَّ فعلٍ حقًّا.

لو كنا ونحن على هذه الحالة من
الإهمال في الشرعيات، والإهمال في الواجبات، والإهمال في الذكر، والإهمال في
الهمَّة .. والحقُّ سبحانه وتعالى يعطينا رعايةً من كلِّ القوى العالمية، وكلهم
يريدون رضانا، وكلهم يطلبون بركتنا، فلو كان هذا الأمر حاصلاً سنـزداد سوءًا.

الآن القوى العالمية الطاغية المادية
تزعجنا في كل لحظة، وتوجِّه الإيذاء إلينا، وتستخدم الأذناب والأذيال, ومع كل هذا
فنحن لا نتغير، فكيف لو كان كل الناس قائمين على خدمتنا؟

حال المسلمين حال ضعفٍ, وبُعدٍ,
وجهلٍ, وكسلٍ, وقعودٍ, ويُسلَّطُ عليهم عدوُّهم, ولا يهنأ لهم بال, وهم لا يتغيرون،
فكيف لو كان العدوُّ لا يسلَّطُ عليهم؟

بل إن تسليط العدو على بلدٍ فيه
الصالحون يدلُّ على عناية الحقِّ بأهل هذا البلد، لأن الفساد إذا كَثُرَ يدخلون في
دائرة: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}
[الأعراف: 183] وفي معنى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن
نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16].

هناك بعض البلاد الإسلامية التي فيها
كل أنواع الفساد الخُلُقيّ والتحلل، وفيها ما لا يوجد حتى في دول أوربا، وما أظنها
إلا هالكة، أما البلد الذي فيه الخير، والتوجه إلى الله، والتوجه إلى العلم،
والتوجه إلى الإصلاح .. وفيه إيذاءُ أعداء الله وتسليطُهم, فهذا بلد فيه خير, لأن
الحق يريد أن يُطهِّرَه، ويريد أن يرتقي به.

وهذه كلها إشارات تلوح للقلوب وتلمع
للألباب.

ثم قال:
{سُبْحَانَكَ} أن يكونَ في فعلك عبثٌ، أو يكونَ في فعلك باطل، فلا يكون
مِنْ أولي الألباب إلا من كان حاضرَ القلب في باطنه، وحاضرَ الظاهرِ مع حكم ربِّه
وأمرِ ربِّه، لأن قوله: {يَذْكُرُونَ اللّهَ} له
مقتضيان: مقتضى تعظيمٍ في الباطن، ومقتضى امتثالٍ في الظاهر، وهو وصف العبودية.

فالعبودية المخاطِبَةُ لمولاها بـ:
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} وصفُها:
التعظيمُ في الباطن, والامتثال في الظاهر، واختُصِرَ هذا بقوله:
{يَذْكُرُونَ اللّهَ} أي يذكرونه بقلوبهم, ويذكرون
أحكامه الشرعية بظواهرهم، فيكون في ظواهرهم الامتثال, وفي قلوبهم التوجُّهُ إلى
الجمال والجلال.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يوجه
قلوبَنا إلا إليه، وأن يرزقنا امتثال أمره, وأن يجعلنا على خُطا حبيبه المصطفى
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأحوال, والحمد لله رب
العالمين.
أعلى الصفحة