الموقع الشخصي للدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
الطب مهنتي والشعر أغنيتي وعلوم القرآن والسنة ثقافتي والتصوف ذوقي وسجيتي والفكر سلاحي وعلامتي والتربية بنقل الناس من علائق الكون إلى الاستغراق في حضرة الله وظيفتي وتحبيب الخلق بخالقهم فني وهوايتي
 

موقع الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
 
Masjed Lessons دروس مسجدية
 
باب اليقين والتوكل-الحديث العاشر
التصوف
جامع العادلية بحلب
19/4/2006
 
ملف نصي   كتاب إلكتروني   استماع ²
عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:من قال (يعني إذا خرج من بيته): بسم اللَّه، توكلت على اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان./ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم, وقال الترمذي حديث حسن, وزاد أبو داود: فيقول (يعني الشيطان) لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟حين يبدأ المرء نهاره يخرج من بيته، فإما أن يخرج بنفسه أو أن يخرج بالله:{وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80]فالذي هداه الله وصرف عن قلبه الباطل، يدخل إلى كل شيء بالله لا بنفسه، فلا تطلب نفسه شيئًا, وإنما ينتظر ما يفعل الله به:
(الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل؟ والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به).فهو يأخذ من حيث التسبب والكسب ما لا ينبغي له تركه، وما هو واجب عليه فعله، ولا تتشوف نفسه إلى شيء: لا إلى ظهور, ولا إلى شهرة، ولا إلى جاه, ولا إلى منصب، ولا إلى كثرة أموال ... لا تتشوف نفسه إلى شيء، وإنما يدخل كلَّ شيء حينما يُدخله الحق تعالى فيه، حيث يقرأ باسم ربه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ويكتب باسم ربه: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] ويركب المطيةَ باسم ربه أي بربه: {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا} [هود: 41].أما الغافل فهو مسكين, مشتت بين شهوات نفسه ورغباتها، فهو دائمًا متألم, تتوق نفسه إلى شيء ولا تصل إليه، وأما من كان يدخل ويخرج باسم الله إلى كل شيء فإنه مطمئن، فالحق أدخلك إلى هذه الدنيا به لا بك، فهل خرجت من بطن أمك بنفسك أم هو الذي أخرجك؟ وحين تخرج من الدنيا هل تخرج بنفسك أم هو الذي يخرجك؟ وهكذا لا يخرج نَفَسٌ منك إلا به، فإذا فهم صاحب الفهم هذه الحقيقة, قال حين يخرج من بيته: بسم اللَّه.لقد كان في بيته نائمًا ساكنًا ثم خرج من بيته, والبيت محل السكن {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80] وهو محل السكون، فإذا بدأ الحركة لم تكن حركته بنزعات نفسه ولا برغباتها وإنما بمولاه، ولهذا قابلها بقوله له: (هديت), أي من خرج بنفسه ووافق مرادها كان بعيدًا عن الهداية إلى الحقيقة، ومن خرج بربه هدي إلى الحقيقة باسم الله.فلما خرج وبدأ حركته باسم الله لا بنفسه احتاج أن يستند إلى قدرة الله سبحانه، لأنه حين مضى بين الناس وذهب إلى سوقه، وإلى عمله, لم يكن مستندًا ومعتمدًا على قوته وقدرته وعلمه.فقارون اعتمد على علمه: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78] وإبليس اعتمد على جسمانيته ووقف مع الوصف البدني الناري، وفرعون وقف مع ملكه الوهمي حين قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51] حيث توهّم أن الملك له, والله سبحانه وتعالى يقرر الحقيقة بقوله: {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [البقرة: 284] فإذا كان في حركته معتمدًا على علمه وقوته، وعلى نباهته وعبقريته ... فهذا سيقع فيما اعتمد عليه, ويأتيه البلاء في الذي اعتمد عليه، فإذا اعتمد على ماله يأتيه البلاء في ماله، وإذا اعتمد على علمه يأتيه البلاء في علمه, وإذا اعتمد على قدرته يأتيه البلاء في قدرته، ولكن إذا توكل على الله وعلم أنه سبحانه على كل شيء قدير، اعتمد على قدرة الله سبحانه وعلمه وقال: توكلت على الله، فأنا ما بدأت الحركة إلا باسم الله، وما اعتمدت على شيء من وصفي ولكنني اعتمدت على قدرة الله، واعتمدت على علمه وعلى إرادته، ولهذا من اعتمد على الله سبحانه فكيف لا يُكفى؟! {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] لهذا يقال له في مقابلتها: (كُفيت).وهنا وبعد أن خرج باسم الله وتوكل على الله, ربما تخطر وساوسه عليه, فتأتي نفسُه وشيطانُه لتقول له: الناس يريدون ضررك، فهذا صاحب سلطان, وهذا صاحب جاه، وهذا يُخاف منه ... فينبغي أن تتوجّه إليهم وأن تحذرهم, وأن ترغب فيهم, فهم يضرونك, وهم ينفعونك, وهم يستطيعون إيذاءك وإيقاع الضرر بك ... فعندها يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله, أي لا أحد يستطيع أن يُقدِّم لي نفعًا ولا ضرًا, لأن كلَّ حَوْلٍ وكلَّ قوة هو بالله:
(وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ).




أي يوميـن مـن المـوت أفـرّيــوم لا يقـــدر لا أرهبُــهُ


يـوم لا يُقـدَر أم يوم قُـدِرْ؟ومِـنَ المقدور لا ينجو الحَـذِرْهكذا يكون من خرج بالله, وتوكل على الله, وعلم أنه: لا حول ولا قوة إلا بالله.فلا أحد في الكون يستطيع أن يفعل فعلاً إلا بإذن الله, إذ لا حول ولا قوة لأحد, فهذا يخرجه عن تعظيم غير الله, وعن الخوف من غير مولاه, لذلك يُقال له في مقابلة ذلك: (وقيت).أحد العارفين كان يضربه جندُ السلطان, وهو يقول لهم: لو لم يأمركم السلطان لما كنتم تستطيعون ضربي, فإذا كان هذا هو مراد السلطان فلا بأس فأنتم تنفذون أمره, فهم يظنون أنه يشير إلى السلطان المخلوق, ولكنه يشير إلى السلطان الحق, لذلك فهو يشهد مراد مولاه, لأنهم لا حول لهم ولا قوة إلا به, فحينما ضربوه ما ضربوه إلا بحوله وقوته, لذلك هو ينظر إليهم ويقول: لولا أن السلطان أمركم, ما كنتم تقدرون على ذلك.لو أن الإنسان دخل في حال: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] فإنه يرى كل مكروه ومحبوب واردًا إليه من حضرة المحبوب.وقد قالوا: ضربُ الحبيبِ زَبيب.فإما أن يُحَبَّ المحبوبُ لنواله, وإما أن يُحَبَّ لجماله, وإما أن يُحَبَّ لكماله.فالأول: أحبه لنواله من كثرة ما يعطيه, فكم هو يعطينا ونحن نسيء, وهو يغمرنا بالفضل, فهذا يقود إلى المحبّة لرؤية النوال.والثاني: أحبَّه لجماله, فقد كُشِف له عن تجليات الجمال, فوقع في المحبّة والعشق, حيث أزيلت الستور, وظهر النور, فأحبَّه لجماله.والثالث: أحبَّه لكماله, فكيفما تجلى: بالجمال أو بالجلال, فهو محبوب, لأنه موصوف بالكمال.اللهم أخرج قلوبنا من التوجه إلى الأغيار, وأغرقها في الأنوار, وكمّلها بفهم الأسرار, بجاه حضرة الحبيب المختار, صلّى الله عليه وسلّم, والحمد لله رب العالمين.
أعلى الصفحة