الموقع الشخصي للدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
الطب مهنتي والشعر أغنيتي وعلوم القرآن والسنة ثقافتي والتصوف ذوقي وسجيتي والفكر سلاحي وعلامتي والتربية بنقل الناس من علائق الكون إلى الاستغراق في حضرة الله وظيفتي وتحبيب الخلق بخالقهم فني وهوايتي
 

موقع الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني
 
Masjed Lessons دروس مسجدية
 
المحاضرة 4 : ارتباط الإيمان بالله تعالى بالإيمان باليوم الآخر
العقيدة
جامع الإمام أبي حنيفة النعمان بحلب
7/4/2006
 
ملف نصي   كتاب إلكتروني   استماع ²
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي أنعم علينا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.ابتداءً أبارك لكم وللأمة الإسلامية حلولَ شهر ربيع الأنور, شهرِ مولد سيّدنا محمّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الذكرى عائدة علينا وعلى الأمة بالنصر والخير والعزّ للإسلام والمسلمين.وربما يعلم بعضكم أن تاريخ مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحديدًا قد ذكره علماء السيرة بين يومين: التاسع والثاني عشر من ربيع الأول، إلا أن علماء الفلك وبالدراسات الحاسوبية رجّحوا التاسع من شهر ربيع الأول لأنه يوافق يوم الاثنين، وذلك بحسب الدراسات الإحصائية الاستقرائية التي تعود إلى الوراء, فحققوا أن موعد مولده صلى الله عليه وسلم كان يوم التاسع من ربيع الأول الموافق لسنة 571 من ميلاد السيد المسيح شهر نيسان، وإنها لمن الموافقات الجميلة أننا في هذا اليوم في التاسع من ربيع الأول، وأننا في شهر نيسان الذي كانت فيه الولادة، فلعل هذه الخصوصية الزمانية تفتح قلوبنا للأنوار ولنور الأنوار محمّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.وقبل أن أتحدث عن موضوع بحثنا في هذا اليوم في دروس العقيدة أقول: حين نذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكره غالبًا من وجه واحد، من وجه الفرح بفضل الله علينا أنه أرسل إلينا سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم, الذي حوى ما حواه من الشمائل والصفات، لكنَّ فِكرنا قد لا يقف كثيرًا أمام وجوه أخرى، فهذا الفرح الذي وصل إلينا سبقته مِحَنٌ شديدة وشدائد مرَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاقى ما لاقاه, لكنه كان في كل ذلك متوجهًا إلى الله سبحانه.أقول هذا لأن أمتنا التي تمر بها هذه الذكرى تعيش المحن، وتعيش الشدائد، وإن كانت هذه المحنُ متعددةً في ألوانها وأشكالها وأماكنها، لكن حين تنظر إلى العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه تجد أن المسلمين فيه يعانون من محن كثيرة وشدائد، إذًا حتى نتابع الطريق ونستقيم على الصراط الذي دلنا علينا سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن نعيش ونحن في ذكراه لحظة نشعر فيها أن هذه المحن هي منطلقٌ انطلقَ منه كلُّ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وانطلق من هذه المحن سيّدُهم محمّد صلى الله عليه وسلم.إذًا المحن لا تعني استمرار ضعف، ولا تعني اقتراب فشل..اشتدّي أزمةُ تنفرجي.(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا) [يوسف: 110]إذًا إن ما يعيشه العالم الإسلامي في هذه الأيام من الضعف هو بشارة, فقد قيل: إذا رأيتَ الليل فاستبشرْ, فما بعده إلا الفجر: (ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81]سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثابتًا راسخًا بسبب العقيدة، ومن أوائل الآيات التي نزلت عليه قوله تعالى: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى) [الضحى: 4]فليس مقصود من يريد الله ومن تأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه الدنيا الهمَّ الأكبرَ له، وهذا هو الفارق بين المادّيين (أبناء الدنيا) وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم, تلك هي النقطة الفاصلة، ربما يشترك كثيرون في الصلاة أو في الزكاة أو في الحج، لكن الذي يفرّق بين أبناء الدنيا وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العقيدة، هو التوجه والمقصد الذي ثبت في القلوب، لذلك قاسى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاساه حتى وصل الأمر بالمشركين لأن يسلِّطوا عليه صبيانهم، وأن يرموه بالحجارة حتى يسيل الدم الشريف على الأرض من جسده صلى الله عليه وسلم, ثم بعد ذلك يجلس في ظل شجرةٍ ليعبّر وهو في هذه المحنة عن ثبات العقيدة فيقول: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين, إلى من تكلني؟ إلى عدوٍّ يتجهّمني أم إلى قريبٍ ملّكته أمري؟ إن لم تكن ساخطًا علي فلا أبالي) ، أي: أنا أريد رضاك يا ربّ، أنا أريدك يا ربّ, فإن كنتَ راضيًا لا يضيرُني أن أتحمَّلَ الشدائد، إن كنتَ راضيًا أن يؤذى أحبابُك وأنت تحبّ ذلك, وأنت تباهي بهم الملائكة، وأنت تباهي بصبرهم وثباتهم ملائكتك, فإن كان هذا ما تحبّه يا ربّ فها أنا ذا بين يديك، إن لم تكن ساخطًا عليَّ فلا أبالي، هذا هو ثبات العقيدة، عندما يكون المقصود ثابتًا، لذلك أحببتُ أن يكون موضوعُ هذا الدرس مستفادًا من قوله تبارك وتعالى:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]إذًا: ماذا يعني هذا؟هذا يعني أن الإمام الأعظم في هذا الطريق, والذي ينبغي أن نتأسى به, كان يرجو الله واليوم الآخر ويذكر الله كثيرًا مدعّمًا مقصوده.(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)أي: هذا حالُه فاقتدوا به، هذا حاله صلى الله عليه وسلم فتأسَّوا به،ووصفه أنه يرجو الله واليوم الآخر.وهنا: لماذا نلاحظ في القرآن الكريم ارتباط الإيمان بالله سبحانه وتعالى بالإيمان باليوم الآخر؟ مع أننا نعلم أن أركان الإيمان ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، والقدر خيره وشره.نلاحظ مع وجود هذه الأركان الستة أن القرآن الكريم يوجّه النظر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر.فالآيات التي تربط بين الإيمان بالله واليوم الآخر كثيرة، فما سر ذلك؟ خاصة أن الإمام في هذا هو سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)فمن كان يرجو الله واليوم الآخر فهو بهذا يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم, وذكر الله كثيرًا ليُدعِّم هذا المقصود، ثم نجد بعدها أن القرآن يحكي لنا عن هذا الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر عند سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام, ونعرف عندما نقرأ القرآن الكريم أن إمام أهل التوحيد الذي كان يحاجج من أجل أن يرفع الناس من الشرك إلى التوحيد هو سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهو تارة يحاجج أهل الأصنام، ويكسر أصنامهم حتى يرجعوا إلى أنفسهم ويعلموا أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع، وتارة يحاجج عبدة الكواكب حتى يدلهم أن هذه الكواكب لا تصلح أن تكون إلهًا, وتارة يحاجج الملك نمرود الذي يدَّعي أنه رب وإله إذًا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو إمام أهل التوحيد وإمام أهل الحجة, قال سبحانه وتعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ) [الأنعام: 83] نجد أنه بعد أن يذكر لنا ارتباط الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر يحدثنا عن نفس هذا الارتباط عند سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام, يقول سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، فإذا انتقلنا إلى سورة الممتحنة نجده يقول: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ, رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ, لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).إذًا نحن هنا أمام مَثَلٍ آخر هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن تبعه:(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)ثم قال بعدها:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)إذًا نلاحظ هنا أيضًا ثباتًا في العقيدة:(إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)ثم نلاحظ هذا الارتباط أيضًا فيما حكاه القرآن عن سيّدنا شعيب، وسيدنا شعيب عليه الصلاة والسلام هو في اللغة التربويّة المهيئ التربوي لسيّدنا موسى عليهما وعلى نبيّنا أفضل الصلاة وأكمل التسليم, فقد هيأ الله سيّدنا موسى للرسالة في رحاب سيّدنا شعيب, حيث ساقه إلى مدين وتزوج ابنته، وفيما يحكيه القرآن عن سيدنا شعيب, يقول في سورة العنكبوت: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ) [العنكبوت: 36]هنا يوجد شرح وتفصيل وتفسير، فرجاء الله مفسر في هذه الآية بعبادة الله:(اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)لما تقدّم أن هذه العقيدة هي: الإيمان بالله, والعلم بالله سبحانه وتعالى, والإيمان بالمغيبات.فكيف نستطيع أن نقرأ هذه الأركان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، حتى نربط بين موضوعات العقيدة؟- المكلِّفُ الذي خلقنا وأوجدنا وكلَّفَنا هو الله سبحانه، وهنا يأتي الإيمان بالله، إذًا أول ركن من أركان الإيمان هو الإيمان بمن أوجدك, بمن خلقك وكلَّفك, فهو المكلِّف.- فإذا انتقلت إلى الملائكة والرسل وجدتَ أنهم وسائلُ تبليغٍ للتكليف, حيث اشترك الملائكة في هذه العملية التبليغية، من الملائكة إلى الرسل, فالملائكة والرسل كانوا وسائط تبليغ التكليف.- ثم كانت الكتب شارحة ومبينة للتكليف.إذًا من الذي أوجدنا وكلفنا؟إنه الله سبحانه وتعالى، وهنا الإيمان بالله، ثم الملائكة والرسل كانوا واسطة تبليغ هذا التكليف، والكتب كانت شارحة ومبينة للتكليف، فكيف تستطيع أن تفهم هذا التكليف الذي كلَّفَك به الله ؟ من خلال الكتب، ومن خلال الكتاب الخاتم الناسخ لكل الكتب الذي هو القرآن العظيم الذي حفظه الله سبحانه وتعالى, وما تكفل الله سبحانه بحفظ كتاب من الكتب إلا القرآن، لأن الكتب السابقة كان يأمر أصحابَها بحفظها (بمَا اسْتُحْفِظُواْ) [المائدة: 44] إلا القرآن فقد قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]فحفظ الله سبحانه هذا القرآن، حيث حاول الكثير عبر التاريخ إضافة حرف إلى القرآن، في زمن الاستعمار عندما قُسّمت البلاد أيام سايكس بيكو وغيرها, لقد أضافوا حرفًا واحدًا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: 59] حيث طُبعت نسخةٌ في الجزائر وضعوا فيها "أو" بدل "و", وضعوا حرف ألف فأصبحت: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أو أولي الأمر منكم، لقد أضافوا همزة فقط, يعني: إما أن تطيعوا أولي الأمر أو تطيعوا الله، بينما القرآن جعل طاعة أولي الأمر تابعةً لطاعة الله، فنحن نطيع أولي الأمر إذا أطاعوا الله وإذا أمرونا بما يتناسب مع طاعة الله، فإذا أمرونا بما يخالف أمر الله لا نطيعهم، لأن أمر الله مقدم على أمرهم , فإن تعارض أمر الله ورسولِه مع أمر أولي الأمر فلا يُلتفت إليهم, ويُعصَون ويُخالفون لأن أمر الله مقدم، هذه ثوابت عندنا لا شك في هذا، إذا أَمَرَنا مَنْ يملك مقاليدَ الأمور بمعصية الله لا نطيعُه، هذه من ثوابت إسلامنا، فإن حصل خلاف, فالرجوع في هذا الأمر يكون إلى الله ورسوله, لأن الله سبحانه قال: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: 59]أضافوا حرفًا فقامت القيامة وأُحرِقت كل النسخ، وقد تعاقبت عبر التاريخ تجارب كثيرة جدًا فيها محاولات للتحريف ولكن لم يحصل أي من هذا, وبقي المصحف كما نَزل على قلب سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم.وكثيرًا ما يثير المستشرقون قضية المصحف مع جهلهم الشديد مع الأسف، يثيرون قضية إحراق سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه للنسخ متجاهلين أو جاهلين أن هذا المصحف الشريف عندما نزل حفظه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأول ما حُفِظَ القرآن حُفِظ في الصدور قبل أن يُحفظ في السطور، ثم هناك نسخ كان الأصحاب يضيفون إليها بعض الشروح، وبعض التفسير، ثم لم ينزل المصحف من بدايته على الترتيب الذي نزل عليه في آخر الدعوة، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزلت آية يقول: ضعوها في المحل الفلاني, فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جُمعت الصحف, وخدم القرآنَ الكريم سيدنا أبو بكر, ثم كانت أعظم خدمة في التاريخ ما فعله سيدنا عثمان, حيث كان ذلك بإجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبقي المصحف على الشكل الذي نزل عليه آخر ما نزل، لأن سيدنا جبريل بعد أن تم نزول الآيات القرآنية صار يراجع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في هذا المصحف كما هو موجود عندنا، فكان يراجعه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعه مع الأصحاب، فسيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه قام بعمل عظيم جدًا جدًا, حيث أزال النسخ التي لا تتطابق مع هذا مطابقة تامة, وكان هذا بالإجماع التام من كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يحصل اعتراض من أحد، لذلك يقول علماء الأمة: هناك رجلان في التاريخ الإسلامي بهما حفظ الله هذا الدين، عثمان بن عفان رضي الله عنه في جمع المصحف، وأحمد بن حنبل في ثباته يوم المحنة أمام المعتزلة.إذًا هنا نلاحظ الحفظ.والقرآن ناسخ، لأن سيدنا عمر جاء بنسخة من التوراة فما رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأها وقال: (لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني)إذًا الشريعة المحمدية ناسخة: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران: 19]- ثم الاعتقاد بالقدر يخفف عن الإنسان التكليف، لأن الإنسان لو اعتقد أنه هو الذي يخلق أفعاله لكان إذا أخطأ أو وقع في زلل ما سينتحر, لأنه سيحمّل نفسه كل العبء, لكن الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان كسبًا والله هو الذي يخلق، هذا اعتقاد، فالقدر أن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى علم في الأزل، وأوجد وفق ما علم، إذًا هذا يخفف علينا التكليف.- بقي الإيمان باليوم الآخر, فما الإيمان باليوم الآخر؟أنت تعمل، أين سترى نتيجة عملك؟ في اليوم الآخر.إذًا خلاصة الأمر: أن المقصود هو الله، أما الثمرة والنتيجة فتجدها في اليوم الآخر، وما عدا ذلك فهي وسائط حتى نصل إلى اليوم الآخر، فالملائكة والرسل والكتب والقدر كلُّها مُعِينات حتى نصل إلى الثمرة التي هي في اليوم الآخر.الطالب بعد الامتحان والتعب والدراسة ينسى الكتب وينسى من ألف الكتب ويسرع إلى الجامعة ليرى النتائج، هل اسمه بين الناجحين أم لا؟ فتجد أنه في لحظة البحث عن النتيجة , ينسى كل شيء ويتوجه فقط ليرى اسمه بين الناجحين, وكم حصّل من العلامات.إذًا: يرجو الله واليوم الآخر.فإذا كان هذا المقصودُ غيرَ حاضرٍ في قلبه, فلا هو يريد الله، ولا وضح المقصود في قلبه, ولا هو يبحث عن الثمرة والنتيجة, فهل لعمله قيمة؟ لا...أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة قالت: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ, ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ, فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟يصل الرحم ويطعم المسكين, فهو ذو أخلاق عالية, فهل ينفعه هذا يا رسول الله؟ هذا في صحيح مسلم.ماذا أجاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟قَالَ: لا يَنْفَعُهُ, إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.لاحظ, قال: ربِّ، فهو متوجه إلى الله ويلاحظ اليوم الآخر، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يَنْفَعُهُ, هي أعمال كثيرة لكن العقيدة غير حاضرة، والمقصود غير حاضر، إنه عمل جيد لكن: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.ألم يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا كان كلما قرأه سيّدنا أبو هريرة يرتجف ويُصعق ويقع مغشيًا عليه؟ هذا الحديث الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أن أول ما تُسعر النار بثلاثة، أول ما يلقى في النار ثلاثة: الأول قارئ عارف، يقول الله له: لمَ تعلمت؟ يقول: يا رب لأجلك، وفي سبيلك, ليس هناك من يجاريه في الخطب, جاء في الحديث: (إن الله سائلٌ كل خطيب عن خطبته), فيقول له الله سبحانه وتعالى: كذبت، وتقول له الملائكة مصدقة: كذبت, إنما تعلمت ليقال: عالم, وقد قيل, خذوا به إلى النار، ويؤتى بالرجل المنفق الكريم, وقد أنفق الأموال الكثيرة في الخير، يقول له الله: لمَ أنفقت؟ يقول: يا رب, في سبيلك وإعلاءً لدينك, ويخرج العبارات التي يخرجها، فيقول الله تعالى له: كذبت, وتقول له الملائكة: كذبت, إنما أنفقت ليُقال عنك: جواد، وقد قيل, خذوا به إلى النار، ثم يؤتى بعد ذلك برجل قاتَلَ مع المجاهدين, يقول له الله تعالى لمَ قاتلت؟ يقول: يا رب, إعلاء لكلمتك, فيقول له الله تعالى: كذبت, وتقول له الملائكة: كذبت, إنما قاتلت ليقال عنك: شجاع, وقد قيل, خذوا به إلى النار.لذلك سألني الكثير عندما بدأت الحرب في العراق، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُخرج أعداء المسلمين من بلاد المسلمين، وقد دبَّ الحماس عند عدد كبير من الشباب، وكنت أسأل من يأتي في غاية الحماس: هل تلاحظ في قلبك إرادة الله؟ فهذه القضية غاية في الدقة، فإما أن تموت ولا قيمة لفعلك، وإما أن يكون لك قدر عند الله, فكم يدّعي الإنسان أنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنه يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه وأنه.. فإذا نظرت بعد ذلك إلى مقاصده وجدت أن المغريات تسوقه، والمرهبات تصرفه، إذًا أين المقصود؟ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: لا يَنْفَعُهُ, إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.وهذا حديث آخر في صحيح مسلم, تقول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ, فَلَمّا كَانَ بِحَرّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، أي تبعه رجلٌ صنديدٌ شجاعٌ قويٌّ بطلٌ من الأبطال، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ, قالوا: هذا بطل من الأبطال, إذا دخل معنا المعركة يشكل ربع جيش من شدة ما عرف عنه من القوة، ولننتبه هنا إلى الرؤيتين: رؤية الأصحاب ورؤية سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام المربّي والمعلم الأعظم، فَلَمّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: جِئْتُ لأَتّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، يعني: أنا جندي عندك ألتزمُ بأمرك في المعركة، وفي النتيجة توجد غنائم أستفيد منها، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لاَ, أعطيكم نجدة وأقاتل معكم وأوظِّف قوتي في خدمتكم, وفي النتيجة نتقاسم، وهذا ما عليه كل تحالفات السياسيين، تحالفات مصالح، ماذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فَارْجِعْ. فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ، قَالَتْ (أي السيّدة عائشة): ثُمّ مَضَىَ, حَتّىَ إذَا كُنّا بِالشّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرّجُلُ, فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوّلَ مَرّةٍ, أعاد الكلام, فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أَوّلَ مَرّةٍ, قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ, قَالَ: ثُمّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوّلَ مَرّةٍ: تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ, دخل الإيمان إلى قلبه, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: فَانْطَلِقْ.هذا يؤكد المعنى الذي سبق في الحديث السابق في قصة ابن جدعان الذي كان يصل الرحم ويطعم المسكين, هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحقه رجل يريد أن يوظِّف قوته، انظروا أثر العقيدة, أثر التوجه إلى الله، أثر المقصد, يرجو الله واليوم الآخر.في بيعة العقبة الثانية خرج عدد من الأنصار مع حجاج قومهم من المشركين، واجتمعوا عند العقبة في منى, وهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام ثم قال: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ, فبايعوه وسألوه: فما لنا يا رسول الله؟ نحن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموافقة التامة, نمنعك كما نمنع أبناءنا وكما نمنع أعراضنا, فما لنا يا رسول الله؟ هل قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عندما نفتح البنوك سأعطيكم ؟ هل قال لهم: أعدكم أن تصيروا حكام الدولة القادمة؟ هل قال لهم: عندما تفتح البلاد أعطي كل واحد منكم ولاية وإمارة؟.... ماذا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟انظروا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكم الجنة. بمقابل هذا لكم الجنة، هذا أعظم ما يطلبونه, فبسط يده صلى الله عليه وسلم فبايعوه.سبحان الله، كأن هذه المعايير بدأت تغيب عنا، اليوم تقول لشخص: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول لك: مقابل ماذا؟ تقول له: الجنة, يقول لك: أين تصرف هذه الكلمة؟ أعطني شيك نصرفه في البنك البريطاني, الأمريكي, الفرنسي, الألماني.سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للأصحاب: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيقول الواحد منهم: جنة عرضها السموات الأرض؟ يقول: نعم, فيقول: بخٍ بخٍ, يقول صلى الله عليه وسلم: ما يدعوك أن تقول: بخٍ بخٍ ؟ يقول: رجاء أن أكون من أهلها، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنك من أهلها، وعندما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنك من أهلها, كان يمسك بيده بعض التمرات يستعين بها قبل أن يدخل المعركة, فأمسك التمرات ورمى بها وقال: لئن عشت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة, ثم أنشأ يقول: ركضًا إلى الله بغير زاد.هذا هو الذي يرجو الله واليوم الآخر.(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83]يعني هذه الدار الآخرة لمن يرجو الله واليوم الآخر، أي يريد الله فنجعل له الدار الآخرة.ما معنى: (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ)؟ لماذا لا يريدون علوًّا في الأرض؟لأنهم استشعروا عبوديتهم، أما اليوم فكل شخص عنده منصب ينسى أنه عبدٌ لله، ويكون متكبّرًا, وهذه هي المشكلة.أبو لهب فعل ما فعل, وكان له من الأموال والخدم والحشم, وكان أشدَّ الناس عداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك قال الله سبحانه: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) [المسد: 2] ولما مات مات بمرض الجدري, واستقذره أبناؤه, ولم يجرؤ أحد على دفنه حتى خرجت ريح جيفته القذرة.سبحان الله! هذا هو صاحب المنصب، هذا صاحب الجاه، هذا السيد!إذا استشعر الإنسان عبوديته أينما كان: على كرسي المُلك, أو موظفًا خلف كرسي الإدارة, مديرًا عامًّا, أو وزيرًا, أو رئيسًا, أو رئيسَ وزراء, أو سلطانًا, أو أي شيء, هو عبدٌ لله، هذا المعنى يصرف الإنسان عن الاستكبار.هذا هو الفارق بين فرعون وعمر بن عبد العزيز، أما فرعون فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: 24], وأما عمر بن عبد العزيز فإنه استشعر عبوديته، كان عنده بيت مال المسلمين, وما حصل غنىً وثراءٌ في تاريخ المسلمين كما حصل في زمن عمر بن عبد العزيز, لكنه وضع لنفسه راتبًا لا يتجاوزه، وفي يوم العيد لم يكن راتبه يكفي حتى يشتري لأطفاله ثيابًا جديدة, فهو لا يملك ثمنها، بيت المال أمامه لكنه يأخذ من راتبه، فبكى عمر بن عبد العزيز حين رأى طفله يلبس المُرقَّع يوم العيد، فلما رأى الولد أباه يبكي وهو خليفة المسلمين وأمير المؤمنين, قال: ما يبكيك يا أبتي؟ قال: أخاف أن ينكسر قلبُك وأنت ترى أولاد الناس يلبسون الجديد وأنت تلبس المرقَّع، فماذا أجابه هذا الطفل الذي تربى على عقيدة: (يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)؟ قال: لا يا أبتي, إنما ينكسر قلب من عق أباه وأمه.هكذا كانت النماذج, (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا)مشكلتنا اليوم أن أحدنا يصير شيخًا فيتكبّر، يصير مديرًا فيتكبّر، يصير في رتبة معينة فيتكبّر, ومجرد أن يُعفى من منصبه يرجع إلى فاقته وينكسر، فلِمَ هذا التلون؟ هل تغير يوسف عليه الصلاة والسلام عندما آتاه الله الملك؟ قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي) [يوسف: 101] أنت آتيتني وأنت علمتني، أنا ليس لي شيء، أنا ليس عندي شيء (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي ِمن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: 101]توفني مسلمًا, هذه هي غاية من آتاه الله الملك, يقول سيدنا يوسف: عندما تقبض روحي, أريد أن تقبضها وأنا مسلم.هكذا لا يريدون علوًّا في الأرض، لا يمكن أن يتحقق هذا إلا لمن يرجو الله واليوم الآخر، إلا لمن استشعر عبوديته, وعندها ذل لله سبحانه وتعالى:(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا) لكنهم يريدون الله (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)القصص والأمثلة في هذا كثيرة، لكن الخلاصة هي أن نسأل أنفسنا: أين نحن من هذا المقصود: (يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)؟ مقصوده الله وهو ينظر إلى ثمرة أعماله يوم القيامة.(وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) [الشعراء: 87] لأن هناك من يأتي بأعمال كثيرة, ثم يصيبه ما وصفه لنا ربنا سبحانه وتعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 23]كان جد شيخنا الشيخ إبراهيم السلقيني المفتي, نسأل الله أن يبارك بحياته, الشيخ إبراهيم السلقيني الكبير, أستاذ والدي في الكلية الشرعية, وقد حدثني والدي رحمهما الله قال: حين كنا ندخل إلى الدرس, يقول لنا أستاذنا الشيخ إبراهيم السلقيني الكبير رحمة الله عليه وهو يبكي، هذه صورة الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، يقول للطلبة: "يا أولادي فيْ طواحين في جهنم بتطحن رؤوس العلماء" ثم يبكي ويُبكي كل الطلبة، بهذا الحال دخلوا حضرة القرب، لا بمشيختهم, ولا بمناصبهم, ولا بشيء من هذا, إنما وجهوا قلوبهم إلى الله سبحانه وتعالى, واستشعروا حقيقة العبودية بين يديه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حقيقة الإخلاص, وأن لا يوجّه قلوبنا إلا إليه، وأن لا يجعل اعتمادنا في الأمور كلها إلا عليه, إنه سبحانه وتعالى نعم المجيب.نسأله سبحانه أن يجعلنا جميعًا من المقبولين ببركة ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.
أعلى الصفحة